ابن عجيبة
571
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها ؛ يصحّ ويستقيم لها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ؛ فتجتمع معه في وقت واحد ، وتداخله في سلطانه ، فتطمس نوره قبل تمام وقته ؛ لأن لكلّ واحد من النيّرين سلطانا عل حياله ، فسلطان الشمس بالنهار ، وسلطان القمر بالليل . وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ؛ ولا يسبق الليل النهار ، أي : آية الليل لا تسبق آية النهار ، وهي النيّران . ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن تقوم الساعة ، فيجمع اللّه بين الشمس والقمر ، ويكوران ويرميان في النار ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ أي : وكلهم في فلك يسبحون ؛ يسيرون ؛ فالتنوين للعوض ؛ والضمير للشمس والقمر ؛ فإنّ اختلاف الأحوال يوجب تعددا ما في الذات ، أو : للكواكب ؛ فإن ذكر النيرين مشعر بها وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يقرأ مقلوبا ومرتبا ، ففيه نوع من البديع . الإشارة : وآية لهم ليل الغفلة نسلخ منه نهار اليقظة ، ونهار اليقظة ، نسلخ منه ليل الغفلة ، فلا يزال العبد بين غفلة ويقظة ، حتى تشرق عليه شمس العرفان ، وتستقر في قلبه ، فلا غروب لها ، وإليه الإشارة بقوله : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ، ومستقرها : قلوب العارفين . وقمر الإيمان قدّرناه منازل ، ينقص ويزيد ، بزيادة التفرغ والتوجه ونقصانه ، حتى تطلع عليه شمس العرفان ، فينسخ نوره ، فلا زيادة ولا نقصان . قال القشيري : فشبيه الشمس عارف أبدا في ضياء معرفته ، صاحب تمكين ، غير متلوّن ، شرف في بروج سعادته قائما ، لا يأخذه كسوف ، ولا يستره سحاب . وشبيه القمر عبد تلون أحواله في التنقل ، صاحب تلوين ، له من البسط ما يرقيه إلى حدّ الوصال ، ثم يردّ إلى الفترة ، ويقع في القبض مما كان فيه من صفاء الحال ، فيتناقص ، ويرجع إلى نقص أمره ، إلى أن يدفع قلبه عن وقته ، ويجود عليه الحقّ سبحانه ، فيوفّقه لرجوعه عن فترته ، وإفاقته من سكرته ، فلا يزال تصفوا أحواله ، إلى أن يقرب من الوصال ، ويرزق صفة الكمال ، ثم بعد ذلك يأخذ في النقص والزوال ، كذلك حاله إلى أن يحقّ له بالمقسوم ارتحاله ، وأنشدوا : كلّ يوم تتلون * غير هذا بك أجمل . « 1 » ه . ثم ذكر دليلا آخر ، فقال : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 41 إلى 44 ] وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 41 ) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ ( 42 ) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ ( 43 ) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ ( 44 )
--> ( 1 ) غنته جارية في قصة . انظرها في الرسالة القشيرية / 156 . وورد في الكبريت الأحمر ( 2 / 147 ) : [ غير هذا بك أحسن ] .